حُسْنُ الْعِشْرَةِ وَسَعَادَةُ الْأُسْرَةِ
إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ؛ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ؛ عِبَادَ اللهِ:
تَقْوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصِيَّتُهُ سُبْحَانَهُ لَكُمْ وَلِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ :
انْتَهَى الْعَامُ الدِّرَاسِيُّ، وَفِي هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعِيشُ كَثِيرٌ مِنْ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فَرْحَةَ النَّجَاحِ وَالِانْتِقَالِ إِلَى مَرْحَلَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ حَيَاتِهِمْ، وَتَفْرَحُ الْأُسَرُ بِمَا حَقَّقَهُ أَبْنَاؤُهَا مِنِ اجْتِهَادٍ وَتَفَوُّقٍ وَنَجَاحٍ، وَهَذِهِ نِعْمَةٌ تَسْتَحِقُّ الشُّكْرَ للهِ تَعَالَى؛ فَالنَّجَاحُ ثَمَرَةٌ مِنْ ثِمَارِ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ: «إِنَّ اللهَ تَعَالى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ».
وَمِنَ الْمُنَاسِبِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ: أَنْ يُشَجَّعَ الْأَبْنَاءُ النَّاجِحُونَ، وَأَنْ تُقَدَّمَ لَهُمُ الْهَدَايَا وَالْمُكَافَآتُ الَّتِي تَزِيدُهُمْ حِرْصًا عَلَى التَّفَوُّقِ وَالتَّقَدُّمِ وَالنَّجَاحِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ التَّشْجِيعِ وَالثَّنَاءِ، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْأَبْنَاءِ وَمُكَافَأَتُهُمْ عَلَى نَجَاحِهِمْ، وَغَرْسُ مَعَانِي الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ وَسَائِلِ التَّرْبِيَةِ النَّافِعَةِ.
وَمَعَ هَذِهِ الْفَرْحَةِ - أَيُّهَا الْإِخْوَةُ - فَإِنَّ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نَتَذَكَّرَ أَنَّ نَجَاحَ الْأَبْنَاءِ لَا يَقُومُ عَلَى الدِّرَاسَةِ وَحْدَهَا، بَلْ إِنَّ وَرَاءَ كُلِّ نَجَاحٍ ؛ أُسْرَةً مُسْتَقِرَّةً، وَبَيْتًا تَسُودُهُ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَأَبَوَيْنِ يَتَعَاوَنَانِ عَلَى الرِّعَايَةِ وَالتَّرْبِيَةِ؛ وَلِهَذَا اعْتَنَى الْإِسْلَامُ بِالْأُسْرَةِ عِنَايَةً عَظِيمَةً، وَجَعَلَ الزَّوَاجَ آيَةً مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الدَّالَّةِ عَلَى حِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.
فَالزَّوَاجُ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ تُبْنَى بِهِ الْأُسَرُ، وَتُصَانُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَتَسْتَقِرُّ بِهِ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَتَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ الْأَجْيَالُ الصَّالِحَةُ، وَلِهَذَا حَثَّ الْإِسْلَامُ عَلَى تَيْسِيرِهِ، وَنَهَى عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي تَكَالِيفِهِ؛ فَإِنَّ خَيْرَ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ وَأَبْرَكُهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ: «خَيْرُ النِّكَاحِ أَيْسَرُهُ».
وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ السَّعَادَةَ الزَّوْجِيَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَوَفْرَتِهِ، وَلَا بِجَمَالِ الْمَسْكَنِ وَحَدَاثَتِهِ، وَلَا بِالْمَظَاهِرِ الزَّائِفَةِ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ بِحُسْنِ الْعِشْرَةِ، وَطِيبِ الْمُعَامَلَةِ، وَلِينِ الْجَانِبِ، وَالصَّبْرِ وَالتَّغَاضِي عَنِ الزَّلَّاتِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، أَيْ: بِحُسْنِ الْخُلُقِ، وَطِيبِ الْكَلَامِ، وَجَمِيلِ الْمُعَامَلَةِ، وَالتَّقْدِيرِ وَالِاحْتِرَامِ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.
فَالزَّوْجُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُحْسِنَ إِلَى زَوْجَتِهِ، وَأَنْ يَرْفُقَ بِهَا، وَأَنْ يَتَجَنَّبَ ظُلْمَهَا أَوْ إِهَانَتَهَا أَوِ التَّضْيِيقَ عَلَيْهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».
وَالزَّوْجَةُ مَأْمُورَةٌ كَذَلِكَ بِطَاعَةِ زَوْجِهَا فِي الْمَعْرُوفِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى بَيْتِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَإِعَانَتِهِ عَلَى أُمُورِ حَيَاتِهِ، وَالتَّلَطُّفِ مَعَهُ، وَاحْتِرَامِهِ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ، «وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ اسْتِقْرَارِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ: أَنْ يَحْرِصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَ بِمَا لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ؛ وَمِنْ هُنَا كَانَتِ الْأُسْرَةُ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَى التَّعَاوُنِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَالتَّكَاتُفِ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ وَتَنْشِئَتِهِمْ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْخُلُقِ الْكَرِيمِ؛ إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَنْهَضَ بِهَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةِ وَحْدَهُ.
وَقَدْ ضَرَبَ لَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ مَعَ عُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ وَعِظَمِ مَسْؤُولِيَّاتِهِ قَرِيبًا مِنْ أَهْلِهِ، مُعِينًا لَهُمْ عَلَى شُؤُونِ حَيَاتِهِمْ، حَتَّى سُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ».
وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرَ مُعِينٍ لِأَهْلِهِ، كَانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا خَيْرَ مُعِينٍ لَهُ، فَلَمَّا جَاءَهَا خَائِفًا عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ ثَبَّتَتْهُ وَوَاسَتْهُ وَقَالَتْ: «كَلَّا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا»، وَفِي ذَلِكَ دَرْسٌ عَظِيمٌ فِي مُؤَازَرَةِ الزَّوْجَيْنِ بَعْضِهِمَا لِبَعْضٍ.
وَمِنْ تَمَامِ حُسْنِ الْعِشْرَةِ: أَنْ يُؤَدِّيَ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ الْحُقُوقَ الْمَالِيَّةَ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَأَوْجَبَ سُبْحَانَهُ عَلَى الزَّوْجِ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ سَعَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَنَهَى عَنِ الْبُخْلِ وَالتَّضْيِيقِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالسَّعَةِ، كَمَا أَمَرَ الزَّوْجَةَ بِمُرَاعَاةِ ظُرُوفِ زَوْجِهَا وَأَحْوَالِهِ، وَأَلَّا تُكَلِّفَهُ مَا لَا يُطِيقُ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ لَا تَسْتَقِرُّ بِالْمُشَاحَّةِ وَالْمُغَالَبَةِ، وَإِنَّمَا تَسْتَقِرُّ بِالتَّفَاهُمِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّرَاحُمِ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا حِفْظُ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْآخَرِ شَيْئًا إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ، كَمَا يَجِبُ حِفْظُ الْأَسْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ وَصِيَانَةُ خُصُوصِيَّاتِ الْأُسْرَةِ، وَعَدَمُ نَشْرِ الْخِلَافَاتِ وَالْمُشْكِلَاتِ بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْبُيُوتِ لَمْ تَتَصَدَّعْ إِلَّا حِينَ خَرَجَتْ أَسْرَارُهَا مِنْ جُدْرَانِهَا، وَغَابَتْ عَنْهَا مَعَانِي السَّتْرِ وَالْحِكْمَةِ.
وَإِذَا الْتَزَمَ الزَّوْجَانِ بِهَذِهِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَدَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قَامَتِ الْأُسْرَةُ عَلَى أَسَاسٍ مَتِينٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَصَدَقَ اللهُ الْعَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ ، فَإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أَمَّا بَعْدُ ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
اتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ الْأُسْرَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ لَيْسَتْ مَصْلَحَةً خَاصَّةً بِالزَّوْجَيْنِ وَحْدَهُمَا، بَلْ هِيَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ؛ فَبِصَلَاحِ الْأُسْرَةِ يَصْلُحُ الْأَبْنَاءُ، وَيَقْوَى الْمُجْتَمَعُ، وَتَقِلُّ الْمُشْكِلَاتُ وَالِانْحِرَافَاتُ، وَتَتَحَقَّقُ الطُّمَأْنِينَةُ بَيْنَ النَّاسِ.
وَلِهَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَحْفَظُ الْبُيُوتَ وَيُقَوِّي أَرْكَانَهَا دَوَامُ ذِكْرِ اللهِ فِيهَا، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ الدِّينِ، وَالتَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَحُسْنُ تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ، وَغَرْسُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ فِي نُفُوسِهِمْ؛ فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُبْنَى عَلَى طَاعَةِ اللهِ أَقْرَبُ إِلَى السَّعَادَةِ وَالِاسْتِقْرَارِ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تَغِيبُ عَنْهُ مَعَانِي الْإِيمَانِ وَالرَّحْمَةِ.
فَاحْرِصُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - عَلَى بِنَاءِ بُيُوتِكُمْ عَلَى التَّقْوَى، وَأَشِيعُوا فِيهَا رُوحَ الْمَوَدَّةِ وَالتَّسَامُحِ وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى أَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ، وَأَحْسِنُوا تَرْبِيَةَ أَبْنَائِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ.
وَيَا أَيُّهَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ، كَمَا تَفْرَحُونَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ بِنَجَاحِ أَبْنَائِكُمْ فِي الدِّرَاسَةِ وَانْتِقَالِهِمْ إِلَى مَرَاحِلَ جَدِيدَةٍ مِنْ حَيَاتِهِمْ، فَاحْرِصُوا عَلَى نَجَاحِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ أَعْظَمَ مِنْ حِرْصِكُمْ عَلَى نَجَاحِهِمْ فِي أُمُورِ دُنْيَاهُمْ؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ نَجَاحٍ يُحَقِّقُهُ الِابْنُ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا مُسْتَقِيمًا، مُحَافِظًا عَلَى صَلَاتِهِ، بَارًّا بِوَالِدَيْهِ، حَسَنَ الْخُلُقِ، نَافِعًا لِنَفْسِهِ وَأُسْرَتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الْأَزْوَاجَ وَالزَّوْجَاتِ، وأَلِّفْ بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَاجْعَلْ بُيُوتَنَا عَامِرَةً بِالْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْإِيمَانِ.
أَلَا وَصَلُّوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَاْئِلٍ عَلِيمًا : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا » ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِي التَّابِعِينَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ وَجُودِكَ وَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين . اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ نَصْرَ الْإِسْلَامِ وَعِزَّ الْمُسْلِمِينَ ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَانْصُرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينَ ، وَاجْعَلْ بَلَدَنَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ . اللَّهُمَّ احْفَظْ لَنَا أَمْنَنَا ، وَوُلَاةَ أَمْرِنَا ، وَعُلَمَاءَنَا وَدُعَاتَنَا ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الْفِتَنَ ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَنَا أَوْ أَرَادَ بِلَادَنَا أَوْ شَبَابَنَا أَوْ نِسَاءَنَا بِسُوءٍ ، اللَّهُمَّ فَاشْغَلْهُ بِنَفْسِهِ ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ ، وَاجْعَلْ تَدْبِيرَهُ سَبَبًا لِتَدْمِيرِهِ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ .
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ .
عِبَادَ اللهِ :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ .
فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى وَافِرِ نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ