خَطَرُ الطلاقِ وَوُجُوبُ الحَذَرِ مِنْ تَفَكُّكِ
الأُسْرَةِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا
بَعدُ:
أيُّها الْمُسْلِمُونَ:
اتَّقُوا اللهَ، وتَذَكَّرُوا قَوْلَ اللهِ تَعَالى: ( إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ
لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ )، وإيَّاكُمْ أَنْ تَغْفَلُوا عَنْ
ذلكَ، وَلْتَكُنْ عَدَاوَتُهُ دائِمًا عَلَى بالٍ، فَإِنَّه يَراكُمْ وأَنْتُمْ لا
تَرَوْنَه، وَهُوَ دائِمًا لَكُمْ بِالْمِرْصادِ.
وأَعْظَمُ
أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِعَدَاوَتِه: السَّعْيُ في الوُقُوعِ في الشِّرْكِ
والكُفْرِ والبِدَعِ والضّلالاتِ، التي تَصُدُّ الناسَ عَنْ دِينِهِمْ. وَسائِرِ
الْمَعاصِي.
ثُمَّ بَعْدَ
ذلكَ: يَنْتَقِلُ إلى الخُطْوَةِ الثانِيَةِ التي هِيَ مِنْ أَهَمِّ مُهِمَّاتِه،
ألَا وَهِيَ تَفَكُّكُ الأُسْرَةِ، رَوَى
الإمامُ مُسْلِمٍ عن جابِرٍ رضِي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صَلى اللهُ عَليه
وسلم: ( إنَّ إبليسَ يضَعُ عَرْشَه عَلَى الْماءِ،
ثمَّ يَبْعَثُ سَرَاياهُ، فَأَدْناهُم مِنْهُ مَنْزِلةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً،
يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ
شَيْئًا، قال: ثمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقَولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى
فَرَّقْتُ بَيْنَه وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ:
نِعْمَ أَنْتَ ).
فأَخْبَرَ
النبيُّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ إِبْليسَ يَبْعَثُ جُنْدَه كُلَّ يَوْمٍ،
وأَنَّ أَقْرَبَ جُنْدِه مِنْه، أَكْثَرُهُم إِفْسادًا وإِضْلَالًا، وأَنَّ مِنْ
أَشَدِّهُمْ إِفْسادًا مَنْ يَقُولُ: ( مَا
تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَه وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ )، أَيْ بَذَلْتُ جُهْدِي وَكُلَّ ما أُوتِيتُ مِنْ قُوَّةٍ،
حَتَّى هَدَمْتُ البَيْتَ، وَهَدَمْتُ الأُلْفَةَ والْمَوَدَّةَ التي بَيْنَ
فُلانٍ وَزَوْجَتِه، وأَلْقَيْتُ بَيْنَهُما العَدَاوَةَ والبَغْضاءَ، وَما
تَرَكْتُ الزَّوْجَ حَتَّى طَلَّقَ زَوْجَتَه، أَوْ جَعَلْتُ زَوْجَتَه تَطْلُبُ
الطَّلَاقَ أو الخُلْعَ مِنْه. فَيَقُولُ لَه: ( نِعْمَ
أَنْتَ )، أيْ نِعْمَ الجُنْدِيُّ أَنْتَ!!
لِأَنَّه بِالطَّلاقِ: تَتَفَكَّكُ الأُسْرَةُ، وَيَنْقَطِعُ النَّسْلُ، ويَسْهُلُ
الزِّنا وأسْبابُه، وَتَضِيعُ الرَّقابَةُ عَلى الأَوْلادِ والنِّساءِ،
فَتَنْتَشِرُ الجَرِيمَةُ، ويَكْثُرُ التَّباغُضُ والتَّشاحُنُ والعَدَاواتُ
والفِتَنُ، والأَضْرارُ عَلى الْمُجْتَمَعِ وَبُنْيَتِهِ وَتَماسُكِهِ. وكُلُّ
هَذِهِ الْمَفاسِدِ، مِنْ أَعْظَمِ مَقاصِدِ إبْلِيسَ.
فَيَدُلُّ
هذا الحَدِيثُ: عَلَى عِظَمِ شَأْنِ الطَّلاقِ وَخَطَرِهِ، وأَنَّه
بَوَّابَةُ إبْلِيسَ وَشَياطِينِ الجِنِّ والإِنْسِ في إفْسادِ الأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعاتِ.
لِأَنَّ الانْفِصالَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ،
يُؤَثِّرُ عَلَى الأُسْرَةِ، وَهذا ما يَجْعَلُهُ يَنْعَكِسُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ
كَكُلّ.
وَيَدُلُّ: عَلَى أَنَّ السَّعْيَ في الإِفْسادِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ،
مِنْ أَشَدِّ أَنْواعِ الفَسادِ فِي الأَرْضِ. ويَلْزَمُ
مِنْ ذلكَ أَنَّ السَّعْيَ في الإِصْلاحِ
بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، مِنْ أَعْظَمِ أَنْواعِ الإصْلاحِ في الأَرْضِ.
وَهَذا أَعْظَمُ واعِظٍ لَنا في إِدْراكِ
خُطُورَةِ هذا الأَمرِ، والوُقُوفِ ضِدَّهُ، والسَّعْيِ فِي تَوْعِيَةِ النَّاسِ،
خُصُوصًا الشَّبابَ، مَعَ التَّذْكِيرِ بِأَنَّ الزَّوْجَيْنِ هُمَا نَواةُ الْمُجْتَمَعِ،
ولَبِنَتُهُ الأُولَى، مِمَّا يَجْعَلُ كُلًّا مِن
الزَّوْجَيْنِ قَبْلَ الإِقْدامِ عَلى الزَّواجِ، أَنْ
يَحْرِصَا عَلَى حُسْنِ الاخْتِيارِ، وأَنَّ الْمُؤَهَلَ الأَوَّلَ هُوَ الدِّينُ
والخُلُقُ.
وَيَجِبُ عَلَى
الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَعْلَمَا بِأَنَّ الحَياةَ الزَّوْجِيَّةَ لابُدَّ
فِيها مِن بَعضِ الخِلافِ والْمَشاكِلِ التي لا يَسْلَمُ مِنْها أحَدٌ، حَتَّى في
أَفْضَلِ الْمُجْتَمعاتِ وأَنْقاها.
وَيَجِبُ
عَلَيْهِمَا حِينَمَا يَرَيانِ بَعْضَ الأُسَرِ وَمَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ
مِنْ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَتَفاهُمٍ وَتَعاوُنٍ، فَلَا يَظُنُّوا أَنَّه لا
يُوجدُ عِنْدَهُمْ مَشاكِلٌ وَخِلافاتٍ!!
بَلْ عِنْدَهُمْ بَعْضُ الْمَشاكِلِ،
لِأَنَّهُمْ بَشَرٌ، حالُهُمْ كَحالِ غَيْرِهِمْ، لا يَسْلَمُونَ مِنْها.
وَلَكِنَّهُمْ يَتَمَيَّزُونَ بِتَقْدِيرِ نِعْمَةِ الزَّواجِ، وَمَكانَتِهِ في الإِسلامِ،
وَيَتَمَتَّعُونَ بعُقُولٍ راجِحَةٍ، سالِمَةٍ مِن الطَّيْشِ والعَجَلَةِ.
وَنُفُوسٍ مُطْمَئِنَّةٍ، مَلِيئَةِ بِالحِلْمِ والصبْرِ والأَناةِ وَمُراقَبَةِ
اللهِ، وَاللُّجُوءِ إِلَيْهِ، والاحْتِرامِ الْمُتُبادَلِ، وَالنَّظَرِ في
العَواقِبِ. وهذا هو الذي يَجْعَلُهُمْ يَسْتَمِرُّونَ في حَياتِهِمْ، وَلا
يَهْدِمُونَ ما بَنَوْهُ.
وَلِأَنَّ
الطَّلاقَ هُوَ آخِرُ الحُلُولِ، وَلَيْسَ أَوَّلَها.
باركَ اللهُ لِي
وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ
الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي
وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ
وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أَن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأشهدُ أنَّ
مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ
تَسْلِيماً كَثِيراً . أَمّا بَعدُ:
عِبادَ اللهِ: إِنَّ
الدُّعاءَ شَأْنُهُ عَظِيمٌ، فَلا يَنْبَغِي للمُسْلِمِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْهُ،
وَلْيُكْثِرْ مِن سُؤالِ اللهِ أَنْ يُصْلِحَ زَوْجَتَه وذُرِّيَّتَهُ،
وَلْيَعْلَمْ أَنَّ ذلكَ مِن صِفاتِ عِبادِ الرَّحْمنِ. واعْلَمُوا أَيْضًا أَنَّ
الْمُحَافَظَةَ عَلَى الصَّلاةِ مَعَ الجماعَةِ، وتَرْبِيَةَ الأَوْلادِ عَلَيْها،
سَبَبٌّ لِصَلاحِ أَمْرِ الْمُسْلِمِ مَعَ أُسْرَتِهِ، وسَلامَتِها مِن
التَشَتُّتِ والضَّياعِ وانْفِصالِ الزَّوجَيْنِ بِالطَّلاقِ وَغَيْرِهِ.
فإنَّ اللهَ تَعالى، لَمَّا ذَكَرَ الطَّلاقَ وَأَحْكامَهُ وبَعْضَ
أَحْكامِ النِّكاحِ والخُلْعِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، ذَكَرَ بَعْدَها الْمُحافَظَةَ عَلى الصلاةِ، فَقالَ:
( حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ
الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ )، لِمَا
فِيها مِن الإِعانَةِ لِلْعَبْدِ وتَحَمُّلِ الْمَشاقِ، والصَّبْرِ عَلى الْمَتاعِبِ
التي تَعْرِضُ لَهُ، والحِرْصِ عَلى إيجادِ الحُلُولِ التي يَتَفادَى الزَّوْجانِ
مِن خِلالِها ما قَدْ يَعْرِضُ لَهُما مِنْ مَشاكِلَ.
بَلْ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ ما يُعِينُ عَلى تَحَمُّلِ الْمَشاقِّ
وصُعُوباتِ الحَياةِ قال تعالى: ( يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ
مَعَ الصَّابِرِينَ ).
رَبَّنا
هَبْ لَنَا مِنْ أزواجِنا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ، اللَّهُمَّ اهْدِنا
لِأَحْسَنِ الأخْلاقِ، لا يَهْدِي لِأَحْسَنِها إلا أَنْتَ، واصْرِفْ عَنَّا
سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَها إلا أنْتَ، اللهم آتِ نُفُوسَنا تقواها،
وزَكِّها أنت خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أَنتَ وَليُّها وَمَوْلاها، اللهُمَّ
خَلِّصْنا مِن حُقوقِ خَلقِك، وبَاركْ لَنَا فِي الحـَلالِ مِن رِزقِك، اللَّهُمَّ
تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ،
غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ
وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ
الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ أصلحْ أَحوالَ الْمُسْلِمِيْنَ، اللهُمَّ ارْفعْ
البَلاءَ عَن الْمستضعفينَ مِن الْمُؤمِنين فِي كُلِّ مَكانٍ، اللهُمَّ احِقنْ
دماءَ الْمُسلِمِين يا ربَّ العَالَمِين، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ
والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين،
اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ
أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا
متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِن كَيدِ الكَائِدِينَ وعُدْوانِ الْمُعتدينَ،
اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك،
وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ دِينِك، وَارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ
يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغفرْ للمُسْلِميِنَ والْمُسْلِمَاتِ
والْمُؤْمِنَينَ والْمُؤْمِنَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُم وَالأَمْواتِ، إِنَّكَ
سَمِيعٌ قَريبٌ مُـجِيبُ الدَّعَواتِ، (وَأَقِمِ
الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق تجدها هنا :
http://www.islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119