مَوْعِظَةٌ في الصبرِ عَلَى البَلاءِ والحَثُّ على
الحِجابِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعدُ:
عِبادَ اللهِ: اتَّقُوا
اللهَ تَعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ الصَّبْرَ ضِياءٌ،
يُضِيِءُ لِلْإِنْسانِ في الظُّلُماتِ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ والرِّضَى
والقَناعَةِ وَتَهْوِينِ الشَّدائِدِ والكُرُباتِ، وَطَرِيقًا إلى الجَنَّةِ،
فَهُوَ مِن أَعْظَمِ خِصالِ الإِيمانِ، وَلِذلك قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم: ( والصَّبْرُ ضِياءٌ ).
وَمِن الْمَواعِظِ الوارِدَةِ في ذلكَ، ما رواه
البخاريُّ وَمُسْلِمٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عَنْهُما أَنَّ: ( امْرَأَةً سَوْداءَ أَتَتْ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم،
فَقالَتْ إِنِّي أُصْرَعُ، وإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فادْعُ اللهَ لِي. قال:
" إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ، وَلَكِ الجنَّةُ، وإِنْ
شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعافِيَكِ ". فقالَتْ: أَصْبِرُ. ثُمَّ قالَت: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فادْعُ اللهَ
لِي أَلَّا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَها ).
فهذه الصَّحابِيَّةُ الجَلِيلَةُ، كانَتْ مُصابَةً بِداءِ
الصَّرَعِ، جاءَتْ إلى النبيِّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلمَ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ
يَدْعُوَ لَها بِالشِّفاءِ مِنْ مَرَضِها، وَكانَ هَمُّها أَنَّها تَتَكّشَّفَ إذا
جاءَتْها نَوْبَةُ الصَّرَعِ، وَكانَ خَوْفُها مِنْ انْكِشافِها أَكْثَرَ مِن
خَوْفِها مِن الصَّرَعِ. فَلَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ ثَوابَ صَبْرِها هُوَ الجَنَّةُ،
رَضِيَتْ بِهذا البَلاءَ، وَلَكِنَّها طَلَبَتْ من النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم
أَنْ يَدْعُوَ لَها أَلَّا تَتَكَشَّفَ، حِفاظًا عَلَى جَسَدِها وَعَوْرَتِها مِن
الظُّهُورِ وَهِيَ لا تَدْرِي.
فَفِي هَذا
الحَدِيثِ مَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى، وَدُرُوسٌ وَعِبَرٌ:
أَوَّلُها:
عِظَمُ شَأْنِ الصَّبْرِ عَلَى البَلاءِ، سَواءً كانَ
ذلِكَ في النَّفْسِ أَوْ الأَهْلِ أَوْ الْمالِ، قال تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ
وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
). وَقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ( مَا
يَزَالُ البَلَاءُ بِالْمؤمِنِ والْمؤمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمالِه حَتى
يَلْقَى اللهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ).
الثَّانِي:
فَضِيلَةُ مَنْ يُصابُ بِالصَّرَعِ، إذا صَبَرَ
واحْتَسَبَ.
الثَّالِثُ:
هَوانُ الدُّنْيا عِنْدَ الصَّحابَةِ، وأَنَّها
لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، حَيْثُ رَضِيَتْ هذه الْمَرْأَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها بِهذا
البَلاءِ في الدنْيا، مُقابِلَ الفَوْزِ بِالجَنَّةِ، لِأَنَّ الدُنْيا زائِلَةٌ،
وَعُمُرَها قَصِيرٌ، سُرْعانَ ما تَنْقَضِي، فَيَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ بِثَوابِ
اللهِ وَما أَعَدَّ لَه في الجَنَّةِ التي فِيها ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنٌ
سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
الرَّابِعُ:
أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى شِدَّةِ البَلاءِ مَعَ تَرْكِ
التَداوِي جائِزٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ قادِرًا عَلى التَحَمُّلِ
والصَّبْرِ وَعَدَمِ الجَزَعِ والتَشَكِّي. وَكَذلكَ إذا كانَ هذا الصَّبْرُ لا
يُعَطِّلُهُ عَنْ الْمَصالِحِ التي لابُدَّ مِنْها.
الخامِسُ:
أَنَّ عِلاجَ الأَمْراضِ بِالدُّعاءِ وَالاِلْتِجاءِ
إلى اللهِ والتَضَرُّعِ إِلَيْهِ، أَنْفَعُ مِن العِلاجِ بِالعَقاقِيرِ، وَأَنَّ
تَأْثِيرَ ذلكَ عَلَى البَدَنِ أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ الأَدْوِيَةِ. إذا وُجِدَ
الإِخْلاصُ في قَلْبِ الدَّاعِي، وَصِدْقُ التَوَكُّلِ وَاللُّجُوءِ والتَضَرُّعِ،
مَعَ الثِّقَةِ الكامِلَةِ بِاللهِ. فَكَمْ مِنْ مَرَضٍ مُسْتَعْصٍ عَلَى
الأطِبَّاءِ، وَبَلاءٍ شَدِيدٍ، كَشَفَهُ اللهُ بِالدُّعاءِ والتَضَرُّعِ
والبُكاءِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
السَّادِسُ:
أَنَّ مَكانَةَ الإِنْسانِ عِنْدَ الناسِ أَوْ في
الدُّنْيا، لا تَدُلُّ عَلى مَكانَتِهِ أَوْ رِفْعَتِهِ عِنْدَ اللهِ، وإِنَّما الْمَكانَةُ
عِنْدَ اللهِ تَكُونُ بِمَنْ قامَتْ بِهِ الأَسْبابُ الشَّرْعِيَّةُ.
فَيَا مَنْ تُرِيدُ الرِّفْعَةَ عِنْدَ اللهِ، لا تَبْحَثْ عَنْها
في قُلُوبِ الناسِ أَوْ مَقاماتِ الدُّنْيا، وابْحَثْ عَنْها فيما يُقَرِّبُكَ إلى
اللهِ وَيَرْفَعُ شَأْنَكَ عِنْدَه.
فَإِنَّ هذِهِ الْمَرْأَةَ الضَّعِيفَةَ التي لا يُؤْبَهُ لَها،
والتي يُنْظَرُ إلَيْها بَعَيْنِ الشَّفَقَةِ والرَّحْمَةِ، قَدْ بَشَّرَها
النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم عَلَيْها بِالجَنَّةِ، وَهِيَ عَلى قَيْدِ الحَياةِ.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمَّا
بَعْدُ:
عبادَ اللهِ: لَقَدْ دَلَّ هذا الحَدِيثُ العَظِيمُ عَلى عِفَّةِ نِساءِ
الصَّحابَةِ، وَشِدَّةِ حَيائِهِنَّ، وَحِرْصِهِنَّ عَلى التَسَتُّرِ. فَإِنَّ هذه
الصَّحابِيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها، كانَ هَمُّها في عَدَمِ انْكشافِ جَسَدِها،
أَعْظَمَ مِنْ هَمِّ شِفائِها مِن الصَّرَعِ. مَعَ العِلْمِ أَنَّها تَكُونُ
غالِبًا في حَضْرَةِ النساءِ، وَهِيَ مَعْذُورَةٌ، لِأَنَّه بِغَيْرِ إِرادَتِها،
وَلَكِنَّ كَمالَ العِفَّةِ، والحَياءَ والحِرْصَ عَلى الحِجابِ والسَّتْرِ، كانَ
شُغْلَها الشاغِلَ. وَهذا هُوَ شَأْنُ نِساءِ الْمُؤْمِنِينَ مُنْذُ صَدْرِ
الإسلامِ، فَإِنَّهُنَّ مَضْرَبُ مَثَلٍ في التَسَتُّرِ والحَياءِ والعِفَّةِ
وَالحِشْمَةِ. وَهُوَ شَأْنُ كُلِّ مِن اقتَدَى بِهِنَّ مِن نساءِ الْمُؤْمِنِينَ
إلى هذا اليَوْمِ، يَلْبَسْنَ الثِّيابَ السَّاتِرَةَ، وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُنَّ
التَكَشُّفُ والتَبَذُّلُ عِنْدَ اجْتِماعِهِنَّ مَعَ بَعْضٍ أَوْ بِمَحارِمِهِنَّ،
وَلَوْ كانَ ذلكَ في الْمُناسَباتِ. وأَمَّا عِنْدَ خُرُوجِهِنَّ مِنْ بُيُوتِهِن،
فَإِنَّهُنَّ يَلْتَزِمْنَ بِشُرُوطِ الحِجِابِ كُلِّها كَما أَمَرَ اللهُ، مَعَ
تَجَنُّبِ لُبْسِ ما يَلْفِتُ الأَنْظارَ إلَيْها.
وَفِي هذا مَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ،
التي تَتَساهَلُ في أَمْرِ حِجابِها وَتَسَتُّرِها بِطَوْعِها واخْتِيارِها،
وَتُظْهِرُ شَيْئًا مِنْ مَفاتِنِها، مِنْ خِلَالِ الأَلْبِسَةِ الدَّخِيلَةِ
والأَزْياءِ التي انْتَشَرَتْ في بِلادِ الغَرْبِ، فَحَذا حَذْوَهُنَّ بَعْضُ
نِساءِ أَهْلِ الإسلامِ.
اللهُمَّ
أَصْلِحِ نِسَاءَنا وَنِساءَ الْمُسْلِمِين. اللهُمَّ احْمِ أَعْراضَهُنَّ
واحْفَظْ فُرُوجَهُنَّ وَطَهِّرْ قُلُوبَهُنَّ، واجْعَلْهُنَّ صالِحاتٍ مُصْلِحاتٍ
حافِظاتٍ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظْتَ يا سَمِيعَ الدُّعاءِ.
اللَّهُمَّ
اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ
عَنَّا سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لَنَا، وَلِوَالِدِينَا، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا
مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ
خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الّذِي هُوَ
عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا،
وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلْ الحَيَاةَ
زِيَادةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ
شَرٍّ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ
وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ أصلحْ أَحوالَ
الْمُسْلِمِيْنَ، اللهُمَّ ارْفعْ البَلاءَ عَن الْمستضعفينَ مِن الْمُؤمِنين فِي
كُلِّ مَكانٍ، اللهُمَّ احِقنْ دماءَ الْمُسلِمِين يا ربَّ العَالَمِين، اللهُمَّ
عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلْحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون
عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ
زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ
العذابِ يا قويُّ يا متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِن كَيدِ الكَائِدِينَ
وعُدْوانِ الْمُعتدينَ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنا بِتَوفِيقِك،
وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلْهُم مِن أَنْصَارِ دِينِك، وَارْزقْهُم البِطَانةَ
الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغْفِرْ
لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأحْيَاءِ
مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق
تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119