الْمؤْمِنُ يَعِيشُ للهِ لا لِحَظِّ نَفْسِهِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعدُ:
أيُّها
الناسُ: اتقُوا اللهَ تَعالى، وأَخْلِصُوا دِينَكُمْ لَه، فَإِنَّ اللهَ لا
يَقْبَلُ مِن العَمَلِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالِصًا، وابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ. واجْعَلُوا الآخِرَةَ هَمَّكُمْ، وَرِضَى اللهِ غاَيَةَ
مَطْلُوبِكُمْ. فَإِنَّ ذلِكَ أَعْظَمُ ما يُعِينُكُمْ عَلَى الثَّباتِ
والاسْتِمْرارِ وَعَدَمِ الانْقِطاعِ عَن العَمَلِ. بَلْ وَأَعْظَمُ أَسْبابِ
راحَةِ البالِ وانْشِراحِ الصَّدْرِ وَعِزَّةِ النَّفْسِ. وَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ
والسُّنَّةَ، وَقَرَأَ قَصَصَ الأَنْبِياءِ، وَهَدْيَ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ
عليه وسلم عَرَفَ ذلك.
وَعَلَى
ذلكَ أَمْثِلَةٌ وَأَدِلَّةٌ كَثِيرَةٌ، فِمِنْها: أَنَّ رَجُلًا قال يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي قَرابَةً أَصِلُهُمْ
وَيَقْطَعُونِي، وأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ
وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ؟! فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ،
وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِن اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِم، ما دُمْتَ عَلَى ذلك ). فَأَمَرَهُ النبيُّ صلى اللهُ عَلَيه وسلم بالاسْتِمْرارِ عَلَى
الصِّلَةِ والإِحْسانِ، حَتَّى مَعَ إِساءَتِهِمْ وَقَطِيعَتِهِمْ وَقُبْحِ
أَفْعالِهِمْ، لِأَنَّ الأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِطاعَةِ اللهِ، ألَا وَهِيَ صِلَةُ
الرَّحِمِ، وأَنَّ لَهُ الأَجْرَ العَظِيمَ في ذلكَ. وأَنَّه إذا اسْتَمَرَّ عَلَى
ذلكَ فَكَأَنَّمَا يُطْعِمُهُمْ الرَّمادَ الحارَّ، وَهذا تَشْبِيهٌ لِمَا
يَلْحَقُهُمْ مِن الإِثْمِ. وَأَنَّهُ لا يَزَالُ مَعَهُ مُعَينٌ مِن اللهِ
عَلَيْهِمْ، يَدْفَعُ عَنْهُ أَذاهُمْ.
وَقالَ رَسُولُ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم: ( لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكافِئ، ولَكِنِ الواصِلُ الَّذِي إِذا
قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَها )، أي: لَيْسَ الوَاصِلُ
الحَقِيقِيُّ الذي يَصِلُ مَنْ وَصَلَهُ فَقَطْ، وَلَا يُحْسِنُ إلَّا إلى مَنْ
أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا الواصِلُ الكامِلُ، هُوَ الذي يُقابِلُ الإساءَةَ
بِالإِحْسانِ والصِّلَةِ. وَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: إِنْ وَصَلْتُمُونِي
وَصَلْتُكُمْ، وإِنْ أَحْسَنْتُمْ إلَيَّ أَحْسَنْتُ إِلَيْكُم، فَهَذِهِ
مُكافَأَةٌ وَتَبادُلُ مَنافِعٍ.
فالَّذِي يَصِلُ رَحِمَهُ مِنْ بابِ الْمُكافَأَةِ
فَإِنَّه قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْها، بِخِلافِ مَنْ يَصِلُ رَحِمَهُ تَعَبُّدًا للهِ،
فَإِنَّه ثابِتٌ وَمُسْتَمِرٌّ.
وَمِنَ
الأَمْثِلَةِ أَيْضًا: مَا يَتَعَلَّقُ
بِالدَّعْوَةِ والنَّصِيحَةِ، فَإِنَّ الَّذِي يَبْذُلُ ذلكَ لِلناسِ ما دامُوا
راضِينَ مُسْتَجِيبِينَ، مَغْلُوبِينَ وَغَيْرَ مُعارِضِينَ أَوْ مُسْتَهْزِئِينَ،
فَإِنَّهُ في الغالِبِ لا يَسْتَمِرُ. بِخِلافِ مَنْ يَدُعُو إلى اللهِ يُرِيدُ ما
عِنْدَ اللهِ، بِالحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ،
وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ هُوَ البَلاغُ فَقَطْ، سَواءً اسْتَجابُوا
أَوْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا، وَسَواءً شَكَرُوهُ أَوْ تَنَقَّصُوهُ، وَسَواءً
صَدَّقُوهُ أَوْ كَذَّبُوه.
وَمِنْ
أَعْظَمِ الْمَواعِظِ في شَأْنِ الدَّعْوَةِ: ما
ذَكَرَه اللهُ تَعَالَى في سُورَةِ الشُّعَراءِ، مِن الْمُناظَرَةِ بَيْنَ مُوسى
عَلَيْهِ السَّلامُ، وَفِرْعَوْنَ، أَمَامَ الْمَلَإِ، فَإِنَّ الْمُتَأَمِّلَ
لِهَذِهِ الْمُناظَرَةِ، يَجِدُ أَنَّ فِرْعِوْنَ مُنْذُ بِدَايَةِ الْمُناظَرَةِ
وَهُوَ يَسْخَرُ مِن اللهِ وَمِنْ مُوسَى، بَيْنَمَا نَجِدُ مُوسَى عَلَيْهِ
السلامُ لَمْ يُقَابْلْ فِرْعَوْنَ بِنَفْسِ أُسْلُوبِهِ، وَلَمْ يُحْبَطْ مِنْ
طَرِيقَةِ فِرْعَونَ وَسُخْرِيَتِهِ، وَلَمْ يَتَخَلَّ عَنْ دَعْوَتِهِ وَنُصْحِهِ،
وإِنَّمَا كانَ مُسْتَمِرًّا في دَعْوَتِهِ وأَدَبِهِ وَضَبْطِهِ لِأَلْفاظِهِ
وَتَصَرُّفاتِهِ! قال تَعَالَى مُبَيِّنًا ذلك: ( قَالَ
فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا
تَسْتَمِعُونَ * قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ
رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ
وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ
اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ
أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ ).
فَفِي هذه الْمُناظَرَةِ دَرْسٌ عَظِيمٌ لَنا جَمِيعًا، في أَدَبِ الدَّعْوَةِ والْمُناظَرَةِ،
وَلُزُومِ الْمَنْهَجِ الشَّرْعِيِّ، والثَّباتِ عَلَى الهَدْيِ الذي يُرِيدُه
اللهُ مِنَّا تُجاهَ خَلْقِهِ.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ
للهِ عَلى إِحسانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أن
لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ تَعْظِيماً لِشَأَنِهِ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً
عَبدُهُ وَرسولُهُ، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلمَ تسليماً كثيراً . أَمَّا
بَعْدُ:
عِبادَ
اللهِ: وَمِن الأَمْثِلَةِ أَيْضًا: ما
يَتَعَلَّقُ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَنْ يَشْعُرُ بِأَنَّ الْمالَ يَنْقُصُ مَعَ
البَذْلِ والإِحْسانِ، قَدْ يَضْعُفُ أَوْ يَنْقَطِعُ عَنْ ذلكَ، بِخِلافِ مَنْ
هُوَ مُوقِنٌ بِأَنَّهُ لَنْ يَجِدَ أَمامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا مَا
أَنْفَقَهُ للهِ، وأَمَّا مَا عَدا ذلكَ فَإِنَّه لَيْسَ لَهُ، عَن عائشةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنها، أنَّهُم ذَبَحُوا شاةً، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( ما بَقِيَ مِنها؟ ) قالت: ما بَقِي
مِنْها إلا كَتِفُها - أَيْ أَنَّهُمْ تَصَدَّقُوا بِها وَأَبْقَوْا كَتِفَها -
قال: ( بَقِيَ كُلُّها غَيْرَ كَتِفَها ).
أيْ: أَنَّها بَقِيَتْ لَنا في الآخِرة إلا كَتِفَها.
فَيَنْبَغِي
لَنَا جَمِيعًا يا عِبادَ اللهِ،
أَنْ نَعِيشَ لِآخِرَتِنَا، حَتَّى في تَعامُلِنَا وَتَصَرُّفَاتِنَا مَعَ
غَيْرِنَا، وأَنْ نَنْظُرَ إلَى ما يَطْلُبُهُ اللهُ مِنَّا، لا إِلَى حُظُوظِ
أَنْفُسِنَا. فَإِنَّ ذلكَ يُشَجِّعُنَا عَلَى أَنْ لا نُخْطِئَ إذا أَخْطَأَ
الناسُ، وَأَنْ لا نَجْهَلَ إذا جَهِلَ الناسُ، وَأَنْ لا نَتَقاعَسَ عَنْ
العَمَلِ إذا تَقاعَسَ الناسُ.
اللَّهُمَّ اهْدِنا لِأَحْسَنِ الأخْلاقِ، لا يَهْدِي لِأَحْسَنِها
إلا أَنْتَ، واصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَها إلا أنْتَ، اللهم
آتِ نُفُوسَنا تقواها، وزَكِّها أنت خَيْرُ مَنْ زَكَّاها، أَنتَ وَليُّها
وَمَوْلاها، اللهُمَّ خَلِّصْنا مِن حُقوقِ خَلقِك، وبَاركْ لَنَا فِي الحـَلالِ مِن
رِزقِك، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ،
وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ
الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ
أصلحْ أَحوالَ الْمُسْلِمِيْنَ، اللهُمَّ ارْفعْ البَلاءَ عَن الْمستضعفينَ مِن
الْمُؤمِنين فِي كُلِّ مَكانٍ، اللهُمَّ احِقنْ دماءَ الْمُسلِمِين يا ربَّ
العَالَمِين، اللهُمَّ
عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك
الْمُؤمِنين، اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ
مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا
قويُّ يا متين، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا مِن كَيدِ الكَائِدِينَ وعُدْوانِ
الْمُعتدينَ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك،
وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ دِينِك، وَارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا
ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ
مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ).
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119