التَّوْعِيَةُ بِتَرْشِيدِ اسْتِهْلاكِ الْمِياهِ
وِالحَدِّ مِنْ الاسْرافِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا
بَعدُ:
عِبادَ
الله: اتقُوا اللهَ تعالى، واعْلَمُوا أَنَّ مِنْ سُوءِ التَصَرُّفِ في النِّعَمِ
التي أَنْعَمَ اللهُ بِها عَلَيْنا، الإسْرافَ فيها، وَعَدَمَ الْمُبالاةِ عِنْدَ
اسْتِعْمالِها.
وَقَدْ
أَخْبَرَ اللهُ تَعالى في كِتابِهِ أَنَّهُ: ( لا
يُحِبُّ الْمُسْرِفِين )، وَكَفَى بِذلِكَ مَوْعِظَةً وَذِكْرَى، أَنَّهُ
لا يُحِبُّ أَهْلَ هذِهِ الصِّفَةِ.
وَمِنْ
أَعْظَمِ النِّعَمِ التي أَنْعَمَ اللهُ بِها عَلَيْنَا: نِعْمَةُ الْماءِ، وَوَفْرَتُهُ، وَسُهُولَةُ الوُصُولِ
إلَيْهِ وَللهِ الحَمْدِ. فِي بُيُوتِنَا وَمَساجِدِنا وَمُتَنَزَّهاتِنا،
وَمَرافِقِنا وَقِطاعاتِنا الحُكُومِيَّةِ، فَنَحْمَدُ اللهَ عَلَى ذلك،
وَنَسْأَلُهُ أَنْ يَحْفَظَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَيَزِيدَنَا مِنْ فَضْلِهِ
وَبَرَكَتِهِ.
وَيَجِبُ
عَلَيْنا جَمِيعًا: أَنْ نُحافِظَ عَلَى
هَذِهِ النِّعْمَةِ، وأَنْ نَتَعاوَنَ عَلَى ذلكَ، فَإِنَّ اللهَ تَعالَى جَعَلَ
الْماءَ مِنْ أَعْظَمِ أَساسِيَّاتِ الحَياةِ، فَقال: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلاَ
يُؤْمِنُونَ ).
والتَّعاوُنُ
عَلى ذلك يَكُونُ بِشُكْرِ هذه
النِّعْمَةِ، فَإِنَّهُ بِالشُّكْرِ تَزِيدُ النِّعَمُ، قال تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ
لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ).
وَمِنْ
ذلكَ: عَدَمُ الإسْرافِ في اسْتِعْمالِ الْماءِ،
فَإِنَّ الإسْرافَ كَما يَكُونُ في الأَكْلِ وَاللِّباسِ والإنْفاقِ الْمَذْمُومِ،
يَكُونُ أَيْضًا في اسْتِعْمالِ الْماءِ، قال تعالى: ( وَكُلُوا واشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّه لا يُحِبُّ
المُسْرِفِين ).
وَكَما
يُرْوَى أَنَّ سَعْدَ ابْنَ أبي وَقَاصٍ رضي اللهُ عَنْه سَأَلَ النَّبِيَّ صلى
اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقال: أَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قال: ( نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جارٍ ).
وَلِذلكَ قال أَنَسٌ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ( كَانُ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ،
وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدادِ )، أيْ: أَنَّه كانَ
يَتَوضَّأُ بِمِقْدارِ ما يَسَعُ الْمُدَّ، وَهُوَ مِلءُ كَفَّيْ الرَّجُلِ الْمُتَوَسِّطِ،
ويَغْتَسِلُ بِمْقْدارِ مَا يَسَعُ الصَّاعَ، والصَّاعُ أرْبَعَةُ أَمْدَادٍ. إلَى
خَمْسَةِ أَمْدادٍ، أي صاعٌ ورُبُع.
وَلَيْسَ الْمُرادُ
بِهَذَا الحَدِيثِ تَحْديدُ كَمِّيَّةِ الْماءِ فِي الوُضُوءِ
والغُسْلِ، وَإِنَّما الْمُرادُ مَشْرُوعِيَّةُ الِاقتِصادِ فِي اسْتِعْمالِ الْماءِ.
فَقَدْ ثَبَتَ عَن النبيِّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلمَ
أَنَّه كانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها، مِنْ قَدَحِ يُقالُ
لَهُ الفَرَقُ، وَهُوَ وِعاءٌ يَسَعُ ثَلاثَةَ آصُعٍ، أيْ لِكُلِّ واحِدٍ
مِقْدارُ صاعِ وَنِصْفٍ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُرَاعِيَ ذلكَ،
وَلَا يُسْرِفُ فِي اسْتِعمَالِ الْمَاءِ، فِي الوُضَوءِ والغُسْلِ، وَيَنْبَغِي
لِمَنْ ابْتُلِيَ بِالوَسْواسِ في الوُضُوءِ والغُسْلِ، أَنْ يَتَّعِظَ
وَيَتَذَكَّرَ هَدْيَ النبيِّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلمَ في ذلكَ، مَعَ أَنَّه كانَ
كّثَّ اللِّحْيَةِ، وكانَ شَعْرُ رَأسِهِ إلى شَحْمَةِ أُذُنِهِ، صَلَواتُ اللهِ
وَسَلامُهُ عَلَيْهِ.
وَلِذلكَ
لَمَّا سُئِلَ جابِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ رضيَ اللهُ عَنْهُما عَن الغُسْلِ، قال:
" يَكْفِيكَ صاعٌ ", فَقالَ رَجُلٌ:
ما يَكْفِينِي. فقال جابِرٌ: " كانَ يَكْفِي
مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعْرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ "، يَعْنِي
رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وإذا كانَ
الاِقْتِصادُ مَطْلُوبًا في الوُضُوءِ والغُسْلِ، وَهُمَا مِن أَجَلِّ العِباداتِ، فَفِي غَيْرِهِمَا مِنْ
سائِرِ الاسْتِخْداماتِ مِن بابِ أَوْلَى. فَإِنَّ حَقِيقَةَ شُكْرِ نِعْمَةِ الْماءِ،
واجِبٌ عَلَى الفَرْدِ والجَماعَةِ، تَتَجَلَّى فِي حُسْنِ اسْتِخْدامِها،
وَصَوْنِها عَنْ الهَدْرِ، لِضَمانِ اسْتِدامَتِها لِلْجَمِيعِ.
فَإِنَّ النَّهْيَ عَن الاسْرافِ وإهْدارِ الْماءِ، عامٌّ في جَمِيعِ صُوَرِهِ. في الْمَساكِنِ وَالْمَساجِدِ،
والقِطاعاتِ الحُكُومِيَّةِ، والقِطاعِ الخاصِّ، والْمَرافِقِ العامَّةِ.
باركَ اللهُ لِي
وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ
الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي
وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ
وَامتِنَانِهِ، وَأشهدُ أَن لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأشهدُ أنَّ
مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ، صَلَّى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسلَّمَ
تَسْلِيماً كَثِيراً . أَمّا بَعدُ:
عِبادَ الله: إِنَّ ما سَمِعْتُمْ مِن
الأَدِلَّةِ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإسْرافَ في اسْتِعْمالِ الْماءِ، أَيًّا كانَ
هذا الاسْتِعْمالُ، سَواءً كانَ في الوُضُوءِ، أَو الغُسْلِ، أَو تَنْظيفِ البيتِ
أو السَّيَّارَةِ، وغَيرِ ذلك مِن الاسْتِعْمالاتِ. فإنَّه مَذْمُومٌ، وأَنَّ
الواجِبَ هُو الاقْتِصادُ في ذلك، لأنَّ الْماءَ نِعْمَةٌ كُبْرَى، ولا يَجُوزُ
الاسْتِهانَةُ بِهذه النِّعْمَةِ وإِهْدارُها.
والحِفاظُ عَلى هذه النِّعْمَةِ يَكُونُ بالأسْبابِ
الحِسِّيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ.
أَمَّا
الأسْبابُ الحِسِّيَّةُ: فإنَّها تَكُونُ
بِتَرْشِيدِ اسْتِهْلاكِ الْماءِ، وهذا أَمْرٌ مَطْلُوبٌ، بَلْ هُو هَدْيُ
الإسلامِ.
وأَمَّا
الأسبابُ الشَّرْعِيَّةُ: وهِيَ الأَهُمُّ
والتي يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّطَ عَليْها الضَّوْءُ عَبْرَ وَسائِلِ الإعلامِ
والتَّواصُلِ، فَهِيَ اللُّجُوءُ إلى اللهِ تَعالى، في حِفْظِ هذه النِّعْمَةِ،
وَعَدَمِ زَوالِها، قال تعالى: ( قُلْ
أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ).
وَمِنْ ذلك:
التَّوبَةُ وكَثْرَةُ الاسْتِغْفارِ، وَوُجُوبُ
لُزُومِ طاعَةِ اللهِ، والبُعْدُ عن الذُنُوبِ والْمَعاصِي، والتي تَزُولُ
بِسَبَبِها النِّعَمُ، وتَحِلُّ بِسَبَبِها النِّقَمُ، والتي مِنْها الجَدْبُ
والقَحْطُ.
اللَّهُمَّ ارزُقْنا شُكْرَ نِعْمَتِكَ، واجْعَلْها عَوْنًا لَنا
عَلى طاعَتِكَ، وارْزُقْنَا حُسْنَ التَّصَرُّفِ فِيها، وَاصْرِفْ عَنَّا سُوءَ
اسْتِعْمالِها يا رَبَّ العالَمِين، اللَّهُمَّ احفظْنا بالإِسلامِ قائمينَ
واحفظْنا بالإِسلامِ قاعدِين واحفظْنا بالإِسلامِ راقدِين ولا تُشْمِتْ بِنا
أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ،
وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ
أصلحْ أَحوالَ الْمُسْلِمِيْنَ، اللَّهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين
الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللَّهُمَّ عَليكَ
بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللَّهُمَّ
سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللَّهُمَّ احفظْ
بلادَنا مِن كَيدِ الكَائِدِينَ وعُدْوانِ الْمُعتدينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ
أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ دِينِك،
وَارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللَّهُمَّ
اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ،
الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ،
( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ).
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119