نِعْمَةُ الأَمْنِ وَبَيانُ حُرْمَةِ الحَرَمَيْنِ
وَجُهُودِ جُنْودِنا وُمُرابِطينا
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَليْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا
بَعدُ:
عِبادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ مَصالِحَ الدِّينِ والدُّنْيا لا
تَتَحَقَّقُ إلَّا بِأُمُورٍ لابُدَّ مِنْها، والتي يَأْتِي في مُقَدِّمَتِها
الأَمْنُ والاسْتِقْرارُ، وَلِذلكَ بَدَأَ إبراهيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ
بِالدُّعاءِ بِهِ فَقال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا
بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِن الثَّمَراتِ ﴾، فَبَدَأَ بِهِ
قَبْلَ الرِّزْقِ، لِأَنَّ العِبادَ لا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ تَحْقِيقِ أُمُورِ
دِينِهِمْ وَدُنْياهُمْ عَلَى الوَجْهِ الْمَطْلُوبِ بِدُونِهِ.
وَنَحْنُ في هذِهِ البِلادِ الْمُبارَكَةِ -
بِلادِ التَّوْحِيدِ، وَبِلادِ الحَرَمَيْنِ - نَحْتاجُ دائِمًا إلى التَّذْكِيرِ
بِهذِهِ النَّعْمَةِ العَظِيمَةِ، والتَّحَدُّثِ بِها، وَشُكْرِ اللهِ عَلَيْها،
خُصُوصًا في مِثْلِ هَذِهِ الأَيَّامِ التي نَعِيشُها، والأَحْداثِ الرَّاهِنَةِ،
التِي يَشْهَدُها القاصِي والدَّانِي.
وَنَحْتاجُ إلَى التَّذْكِيرِ في: أَنَّ
بِلادَنَا تَضُمُّ الحَرَمَيْنِ، أَفْضَلَ بَلَدَيْنِ وَبُقْعَتَيْنِ عَلَى وَجْهِ
الأَرْضِ. وَيَحْكُمُها وُلاةٌ نَصَرُوا التَّوْحِيدَ والسُّنَّةَ، وَحَكَّمُوا
الشَّرِيعَةَ، وَأَعْلَنُوا ذلكَ عَلى الْمَلَإِ. وَأَهْلُهُ تَرَبَّوْا عَلَى
التوحِيدِ، وعاشُوا عَلَيْهِ، وَتَمَيَّزُوا بِهِ.
فَإِنَّ في
مَكَّةَ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ، وَجَعَلَهُ اللهُ قِبْلَةَ
الْمُسلِمينَ في مَشارِقِ الأَرْضِ وَمَغارِبِها، وأُمِرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ
السلامُ بِتَطْهِيرِهِ لِلطَّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ،
والصلاةُ فِيهِ بِمِائَةِ ألْفِ صلاةٍ، وَهِي البَلَدُ الحَرامُ الذي حَرَّمَ
اللهُ سَفْكَ الدَّمِ فِيهِ، وَحَرَّمَ قَتْلَ صَيْدِهِ، وَتَنْفِيرَه، وَقَطْعَ
شَجَرِهِ، والْتِقاطَ لُقَطَتِهِ إلَّا لِمَنْ يُعَرِّفُها مَدَى الحَياةِ، وَهِيَ
مَأْوَى الأَفْئِدَةِ والحُجَّاجِ والْمُعْتَمِرينِ.
وَكَذَلِكَ مَدِينَةُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمُ،
وَمُهاجَرُهُ، والتي قال فيها النبيُّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وسلَّمْ: ( والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ). فَهُمَا أَفْضَلُ بُقْعَتَيْنِ، وأَشَدُّ
بُقْعَتَيْنِ حُرْمَةً. وَلِذلكَ جاءَ الوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي حَقِّ مَنْ
يُرِيدُ الحَرَمَيْنِ وَأَهْلِهِمَا بِسُوءٍ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً
الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ۚ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ
مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾. وَقَالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْه وسلم: ( مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ
اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ). وَلِذلِكَ لَا يَقْصِدُ
مَكَّةَ والْمَدِينَةَ بِالأَذَى والعُدْوَانِ إلَّا الطُّغَاةَ الفَجَرَةَ،
وَرَثَةَ أَبْرَهَةَ الحَبَشِيِّ، وَمَنْ سارَ عَلَى شَاكِلَتِهِ مِنْ
القَرَامِطَةِ وَالحَوْثِيِّينَ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَومٍ وارِث.
والحَوْثِيُّونَ لَيْسَ فِي عَقِيدَتِهِم أَصُولٌ تَمْنَعُهُم مِن الْمُحَرَّماتِ، بَلْ وَلَيْسَ لَدَيْهِم تَعْظِيمٌ لِحُرُماتِ اللهِ،
يُبْغِضُونَ وَيُعادُونَ أَهْلَ التوحِيدِ والسُّنَّةِ، وَيَسْتَحِلُّونَ
دِماءَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَعْراضَهُمْ وَيَرَوْنَ أَنَّهُمْ أَشَدُّ
أَعْدائِهِمْ، وأَنَّهْم أَكْفَرُ مِن فِرْعَوْنَ واليَهُودِ والنَّصارَى،
وَيُكَفِرُونَ أَكْثَرَ الصحابَةِ، خُصُوصًا أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعًثْمانَ،
وَهُمْ مشروعٌ باطنيٌّ إيرانيُّ يَهْدِفُ إلى السُّلطةِ والوُصُولِ إلَى حُكْمِ
بُلْدَانِنا وَشُعُوبِنا لِفَرْضِ عَقائِدِهِ وَخُرافاتِه وَطَائِفِيَّتِهِ،
وَلْتَذْهَبْ البُلْدانُ وَالشُّعُوبُ وَأَمْنُها وَاسْتِقْرارُها بَعْدَ ذَلِكَ
إلَى الجَحِيمِ.
وَمِنْ
الأُمُورِ التي يَنْبَغِي التَّذْكِيرُ بِها: الإكْثارُ مِن الدُّعاءِ
لِبِلادِنا أَنْ يَحْفَظَها اللهُ مِنْ أَعْدائِها، وأَنْ يَحْمِيَ حُدُودَها،
وأَنْ يَنْصُرَ جُنُودَنا وَمُجاهِدِينا والْمُرابِطِينَ عَلَى الثُّغُورِ مِنْ
أَجْلِ حِمَايَةِ حُدُودِ الْمَمْلَكَةِ، والدِّفاعِ عَنْ أَرْضِ التوحِيدِ،
والذَّوْدِ عَنْ الحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ.
وَكَذلكَ الدُّعاءُ
عَلَى مَنْ أرادَ بِلَادَنَا وَقِيادَتَنَا وَرِجالَ أَمْنِنَا بِسُوءٍ، وَعَلَى
أَعْداءِ الدِّينِ مِن الخَوَنَةِ الحَوْثِيِّينَ وَمَنْ عاوَنَهُمْ، وَأَنْ
يَنْتَقِمَ اللهُ مِنْهُمْ وَيَرُدَّ كَيْدَهُمْ في نُحُورِهِمْ.
وَلَا تَنْسَوْا الدُّعاءَ لِوُلاتِنا عَلَى
وَجْهِ الخُصُوصِ، بِأَنْ يُوَفِّقَهُمْ اللهُ،
وَيَنْصُرَهُمْ وَيَجْمَعَ كَلِمَةَ الناسِ عَلَيْهِمْ، وَيَنْصُرَ بِهِمْ
دِينَهُ، وَيُعْلِيَ بِهْمْ كَلِمَتَه، وَيُغِيضَ بِهِمْ أَعْداءَه، فَإِنَّ
الدُّعاءَ لَهُمْ دِينٌ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ القُرُباتِ والنَّصِيحَةِ، إذْ
بِصَلَاحِهِ يَصْلُحُ حالُ الأُمَّةِ وَالْمُجْتَمَعِ.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين، وَلا
عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا
شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَليْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا بَعدُ:
عِبادَ اللهِ:
اتَّقُوا اللهَ تَعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ مِنَ
الأعمالِ عَمَلًا يَجْرِي لِلعَبْدِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لا يَسْتَطيعُه كُلُّ
أَحَدٍ، ولا يَحْصُلُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وإنَّمَا
يَحْصُلُ لِلْمُرابِطِ في سبيلِ اللهِ، الذي يَحْرُسُ في سبيلِ الله. وَهُوَ مَنْ
يُرَابِطُ في الثُّغُورِ وحُدُودِ بِلادِ الْمُسْلِمين، أو داخِلَ بِلادِ الْمُسْلِمين،
مِنْ أجْلِ حِفْظِ دِينِهِمْ وأَمْنِهِم ودِمائِهِم وأَعْراضِهِم. قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ( رِباطُ يَوْمٍ ولَيلَةٍ
خَيْرٌ مِنْ صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِه، وإِنْ ماتَ جَرَى عليهِ عَمَلُهُ الذي كان
يَعْمَلُه، وأُجْرِيَ عليهِ رزْقُهُ، وأَمِنَ مِنَ الفَتَّان ). وَمَعْنَى جَرَى عَلَيْه عَمَلُه: أيْ أَنَّ أعْمالَهَ
الصالحةَ التي كان يَعْمَلُها قَبْلَ موتِه، تَبْقَى ولَا تَنْقَطِعُ إلى قِيامِ
الساعَةِ. صَلَاتُه وصِيامُه، وتِلاوتُه، وبِرُّهُ بِوَالِدَيهِ، وصِلَتُه
لِرَحِمِه، وصَدَقاتُه، وجميعُ أعمالِهِ. وزيادةً على ذلك: فإنه يأمَنُ الفَتَّان، أي لا يُمْتَحَنُ بِسُؤالِ الْمَلَكين،
لأنه ماتَ وَهُوَ حارِسٌ على أَمْنِ الْمُسلِمِين، وعاشَ ساعاتِ الخوفِ، وعَرَّضَ
نَفسَهُ للخَطر، بينما الْمُسْلِمُونَ آمِنُونَ في بُيُوتِهِم وبينَ أهليهِم.
فَأَمِنَ الفَتَّانَ في قبرِه.
فَهَنِيئًا
له، وَيَنْبَغِي لِمَن كُلِّفَ بالْمُرابَطَةِ على الحُدود، أو في الداخلِ أنْ
يَحْتَسِبَ الأجرَ في ذلك.
فاللَّهُمَّ اسْتَعْمِلْنا في طاعَتِكَ، وانْصُرْ بِنا دِينَكَ
وَأَعْلِ بِنا كَلِمَتَكَ يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ، اللهُمَّ احفظْنا
بالإِسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإِسلامِ قاعدِين واحفظْنا بالإِسلامِ راقدِين ولا
تُشْمِتْ بِنا أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ
وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ
الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ أصلحْ أَحوالَ الْمُسْلِمِيْنَ، اللهُمَّ عَليكَ بِالكفرةِ
والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين، اللهُمَّ
عَليكَ بِأَعْداءِ الدِّينِ مِن الخَوَنَةِ الحَوْثِيِّينَ وَمَنْ عاوَنَهُمْ، اللهُمَّ
عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم،
واقذفْ الرُّعبَ في قلُوبِهم، وزَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم، اللهُمَّ سلِّطْ
عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين اللهُمَّ احفظْ لِبِلادِنَا دينَها وعقيدتَها وأمنَها وعزتَها
وسيادتَها، اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا، عَلَى
الْحُوثِيِّينَ وَأَعْوَانِهِمْ، اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا عَلَى مَنْ
يَكِيدُ لَنَا وَيَتَرَبَّصُ بِنَا الدَّوَائِرَ، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، اللهُمَّ
وَفِّقْ وُلاةَ أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ
دِينِك، وَارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ،
اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ،
الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ
الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق تجدها هنا :
http://www.islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119