هَوَانُ الدُّنْيا وَفَضْلُ ركعَتَيْ الفَجْرِ
إِنَّ الحَمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ
باللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ
فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلا
اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً. أمّا بعدُ:
عِبادَ اللهِ:
اتقوا اللهَ تعالَى، واعْلَمُوا أَنَّ الدُنْيا مَتاعُ الغُرُورِ، وأَنَّها مَتاعٌ
زائِلٌ، لا تَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ، فَلَا تَرْكَنُوا إِلَيْها،
وَلَا تَجْعَلُوها أَكْبَرَ هَمِّكُمْ، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِكُمْ، واجْعَلُوا
الآخِرَةَ هَمَّكُمْ، وَرِضَى اللهِ غايَةَ مَقْصُودِكُمْ، فَإِنَّ اللهَ
خَلَقَكُمْ لِعِبادَتِهِ، وَأَمَرَكُمْ بِالاسْتِعْدادِ لِلْآخِرَةِ، قال تَعالى:
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )، وقال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ )،
وهذِهِ الآيَةُ يا عِبادَ
اللهِ، مِنْ أَعْظَمِ الآياتِ التي
تُزَهِّدُ في الدُّنْيا، وَذلكَ حِينَمَا يَعْلَمُ العَبْدُ أَنَّ الحِكْمَةَ مِنْ
وُجُودِهِ مَحْصُورَةٌ في عِبادَةِ اللهِ فَقَطْ.
وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ وأَبْلَغِ الأَدِلَّةِ التي يَنْبَغِي
أَنْ نَتَوَاصَى بِها، وَنُذَكِّرَ بِها أَنْفُسَنَا
وَغَيْرَنا. أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا لِنَعْبُدَهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ لَه، وَبَعَثَ
إِلَيْنَا رَسُولَهُ محمدًا صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلم، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ،
وَأَمَرَنَا بِاتِّباعِهِ.
وَمِنْ أَجْلِ ذلكَ: صارَ كُلُّ عَمَلٍ
يُقَرِّبُ إلى اللهِ، فَإِنَّه خَيْرٌ مِن الدُّنْيا وَمَا فِيها، سَواءً كانَ
قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.
وَتَأَمَّلُوا
ذلكَ جَيِّدًا في النافِلَةِ الَّتَي قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، فَقَدْ قالَ
النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم في شَأْنِها: ( رَكْعَتَا
الفَجْرِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيا وَمَا فِيها )، وفِي رِوايَةٍ: ( أَحَبُّ إلَيَّ مِن الدُّنْيا جَمِيعًا ). والْمُرادُ بِهِمَا سُنَّةُ الفَجْرِ، وهُمَا
رَكْعَتانِ بَيْنَ الأَذانِ والإِقامَةِ. أَيْ أَنَّ الأَجْرَ الْمُتَرَتِّبَ في
الآخِرَةِ عَلَى هذِهِ النَّافِلَةِ، أَعْظَمُ وأَفْضَلُ مِنْ جِمِيعِ الزَّخارِفِ
مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَقُصُورٍ وَمَراكِبٍ وَغَيْرِ ذلكَ مِنْ مَتاعِ الدُّنْيا
وَزِينَتِها، مُنْذُ أَنْ خُلِقَتْ إلَى قِيامِ الساعَةِ.
وَلِذلكَ
كانَ النبيُّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلمَ يَهْتَمُّ بِهِمَا اهْتِمامًا بالِغًا،
قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ( لَمْ يَكُنْ
النبيُّ صَلى اللهُ عليه وسلم، عَلَى شَيْءٍ مِن النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا
مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الفَجْرِ ). وَلِذلكَ كانَ لا يَدَعُها حَتَّى في
السَّفَرِ.
والسُّنَّةُ:
تَخْفِيفُهُما، لِقَوْلِ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْها: ( كانَ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا
الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ). وَفِي رِوايَةٍ قالت: ( كانَ إذا طَلَعَ
الفَجْرُ لا يُصَلِّي إلَّا رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ )، وَهَذا يَدُلُّ
عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ، أَنْ يَكْتَفِي الْمُسْلِمُ بِالرَّكْعَتَيْنِ، وَلَا
يَزِدْ عَلَيْهِمَا.
وَعَلَى هذا:
فَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الفَجْرِ، فَإِنَّها تُجْزِئُهُ
عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
وَكَانَ
النبيُّ صلى اللهُ عَلَيْهِ وسلمَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِ ( قُلْ يا أَيُّها الكَافِرُونَ ) و ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ). وأَحْيانًا
يَقْرَأُ في الرَّكْعَةِ الأُولَى: ( قُولُوا آمَنَّا
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ .. ) الآيةَ مِنْ سُورَةِ
البَقَرَةِ. وَفي الرَّكْعَةِ الثانِيَةِ: ( قُلْ
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ...
) الآيَةَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وَمَنْ
فاتَتْهُ سُنَّةُ الفَجْرِ، فَإِنَّه يُشْرَعُ لَهُ قَضاؤُها بَعْدَ
صَلاةِ الفَجْرِ، أَوْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. بَلْ
إِنَّ مَنْ فاتَتْهُ صَلاةُ الفَجْرِ، فَإِنَّه يُشْرَعُ لَهُ أَنْ
يُصَلِّيَ سُنَّةَ الفَجْرِ أَوَّلًا، ثُمَّ الفَرِيضَةَ.
فَيَنْبَغِي
لِلمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَيْقِظَ في وَقْتٍ كافٍ يَسْتِطِيعُ مِن خِلَالِهِ صلاةَ
هاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الإِقامَةِ، وأَنْ لا يَحْرِمَ نَفْسَهُ هذا
الفَضْلَ العَظِيمَ.
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم، وَنَفَعنِي
وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم، أَقُولُ مَا
تَسْمَعُون وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ
ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخطبة الثانية
الْحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبةُ للمُتّقِين، وَلا
عُدوانَ إِلا عَلَى الظَّالِمين، وَأَشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ وَحدَهُ لا
شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهدُ أَنَّ مُحَمّداً عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَى اللهُ عَليْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلّمَ تَسلِيماً كَثِيراً. أَمَّا بَعدُ:
عِبادَ
اللهِ: إذا كانَتْ النافِلَةُ التي قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ خَيْرٌ مِن الدُّنْيا
وَمَا فِيها. فَمَا بالُكُمْ بِصلاةِ الفَجْرِ التي
فَرَضَها اللهُ عَلَيْنا، وَوَقَّتَها لَنَا بِوَقْتٍ لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ
نَتَجاوَزَه، أَلا وَهُوَ طُلُوعُ الشَّمْسِ، وأَمَرَنا بِها جَماعَةً مَعَ الْمُسْلِمِينَ
في الْمَساجِدِ.
فاتَّقُوا اللهَ أَيُّها الْمُسْلِمُونَ:
وَجاهِدُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ أَجْلِ الْمُحافَظَةِ عَلَيْها، فَإِنَّ ذلك مِنْ
أَعْظَمِ الجِهادِ، وإِيَّاكُمْ والتَّقْصِيرَ في شَأْنِها، وَلا تُلْهِيَنَّكُمْ
الدنيا عَنْها، فَإِنَّ التَخَلُّفَ عَنْها مِن عَلاماتِ النِّفاقِ الظاهِرَةِ.
وابْذُلُوا كُلَّ مَا في وُسْعِكُمْ في ذلكَ،
واجْعَلُوها أَوَّلَ اهْتِمامِكُمْ حِينَما تَنامُونَ بِاللَّيْلَ، فَإِنَّ مَنْ
اهْتَمَّ لِشَيْءٍ وَاظَبَ عَلَيْهِ، واحْرِصُوا عَلى الوُضُوءِ قَبْلَ النَّوْمِ،
وقِراءَةَ أَوْرادِ النَّوْمِ. وَمَنْ يَضْعُفُ عَن الاسْتِيقاظِ، فَلْيَسْتَعِنْ
بِاللهِ ثُمَّ بِمَنْ يُوقِظُهُ لِهَذِهِ الصلاةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ.
واحْرِصُوا
أَيُّها الآباءُ عَلَى أَمْرِ أَوْلادِكُم بالصَّلاةِ، وإيَّاكُم
والتَّهاوُنَ فَإِنَّكُم مَسْؤُولُونَ يَوْمَ القيامةِ عن هذِهِ الأمانةِ العظيمة.
اللَّهُمَّ
وَفِّقْنا لِلْمُحافظةِ على صَلاةِ الفَجرِ، ولا تَحْرِمْنا أَجْرَها، وامْنُنْ
عَلَينا بِالنَّظَرِ إلى وجهِكَ الكريمِ، وثَبِّتْنَا عَلَى دِينِك يا أرحمَ
الراحمين.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الّذِي هُوَ عِصْمَةُ
أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ
لَنَا آخِرَتَنَا الّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلْ الحَيَاةَ زِيَادةً
لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللهُمَّ
احفظْنا بالإِسلامِ قائمينَ واحفظْنا بالإِسلامِ قاعدِين واحفظْنا بالإِسلامِ
راقدِين ولا تُشْمِتْ بِنا أَعداءَ ولا حَاسِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ
الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ
عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ، اللهُمَّ أصلحْ أَحوالَ الْمُسْلِمِيْنَ، اللهُمَّ عَليكَ
بِالكفرةِ والْمُلِحِدِين الذَّين يَصدُّون عَن دِينِكَ وَيُقَاتِلُون عَبادَك الْمُؤمِنين،
اللهُمَّ عَليكَ بِهم فإنهمْ لا يُعجزونَكَ، اللهُمَّ زَلْزِل الأرضَ مِن تحتِ أَقَدَامِهم،
اللهُمَّ سلِّطْ عَليهم منْ يَسُومُهم سُوءَ العذابِ يا قويُّ يا متين، اللهُمَّ
احفظْ بلادَنا مِن كَيدِ الكَائِدِينَ وعُدْوانِ الْمُعتدينَ، اللهُمَّ وَفِّقْ وُلاةَ
أَمرِنا بِتَوفِيقِك، وَأَيِّدْهُم بِتأَييدِك، وَاجْعَلْهُم مِن أَنصارِ دِينِك،
وَارزقْهُم البِطانةَ الصَّالحةَ النَّاصِحةَ يَا ذَا الجلالِ والإكرامِ، اللهُمَّ
اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ،
الأحْيَاءِ مِنْهُم وَالأمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ
أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) .
وللمزيد من الخطب السابقة للشيخ أحمد العتيق تجدها هنا :
http://islamekk.net/catplay.php?catsmktba=119